شخصيّات أدبيّة

قصة ولادة وابن زيدون

قصة ولادة وابن زيدون

عصر ملوك الطوائف

تدور قصة ولادة وابن زيدون في عصر ملوك الطوائف الذي يبدأ مع إعلان ابن جَهْوَر سقوط الخلافة الأمويّة في الأندلس، فدفع ذلك أمراء المناطق الأندلسيّة إلى أن يعلن كلّ واحد منهم أنّه ملك على إمارته، فصارت الأندلس في عهدهم نهبًا للطّامعين، وصار ملوك الطوائف يؤدّون الجزية لملوك الصليبيّين، وقد وصل ببعضهم أنّه استعان بالصليبيّين على المسلمين، وذات يوم شعر ملوك الطوائف أنّهم سيقعون في أيدي الصليبيّين الذين صاروا يتمادون في كلّ شيء، فقرّر بعض الملوك منهم الاستعانة بيوسف بن تاشفين أمير المؤمنين في المغرب، وهو من المرابطين، فعبر بجيشه وهزم الصليبيّين في معركة الزلاقة، وعاد إلى المغرب.

وبعدما عاد حصل خلاف بين ملوك الطوائف حول غنائم الزلاقة، فراسل علماء المسلمين ابن تاشفين وأفتوا له بجواز دخول الأندلس لتخليص الناس، وحتى وصلته فتوى من الإمام الغزالي، فدخل الأندلس وضمّها إلى ملكه، وأنهى عصر الطوائف، وفي ذلك العصر عاش الشاعر ابن زيدون وحبيبته ولادة، وفيما يلي مقتطفات من قصة ولادة وابن زيدون.

قصة ولادة وابن زيدون

لقد كانت الحياة في الأندلس مرتعًا خصبًا لنشوء علاقات الحب وظهور الشعر العذب الذي طفَحَ على ألسنة الشعراء في تلك البقعة من العالم، فكان شعر الحب والغزل والطبيعة من أغزر الأشعار التي اشتُهِرَت بها بلاد الأندلس، ولعلّ من القصص الخالدة في الحبّ في تلك الديار كانت قصة ولادة وابن زيدون، فولادة هي ابنة الخليفة المستكفي بالله، وابن زيدون هو الشاعر الغزير العذب الكلام، وقبل الوقوف على قصة ولادة وابن زيدون فهذه وقفة مع تعريفٍ ببطَلَي الحكاية.

ابن زيدون

هو الوزير الشاعر أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزوميّ القرشيّ القرطبيّ الأندلسيّ، قال عنه الإمام الذهبيّ إنّه علّامة، وقال أيضًا هو حامل لواء الشعراء في عصره، قد بلغ الغاية في النثر والنّظم كما يروي ابن بسّام الشنتريني، وقد ولد ابن زيدون في ضاحية الرصافة من أعمال مدينة قرطبة سنة 394هـ، والرصافة هي ضاحية بناها عبد الرحمن الداخل عند دخوله الأندلس، كان والده من فقهاء قرطبة وأحد أعلامها المعدودين، وكان جدّه لأمّه -واسمه محمد بن محمد بن إبراهيم بن سعيد القيسي- أحد العلماء المعروفين في عصره، وكان ممّن ولِي القضاء والشرطة.

كفالة جدّه له

وعندما بلغ ابن زيدون الحادية عشرة من عمره توفّي والده فكفله جدّه وحرص على تنشئته تنشئةً علميّة ودينيّة مستقيمة، فتعلّم القرآن الكريم والنحو والأدب والشّعر وغير ذلك ممّا كان الناس يعلمونها أبناءهم، وقد تهيّأ لابن زيدون جوٌّ من التعليم الفائق والرعاية والعناية من جدّه وأصدقاء والده، بالإضافة إلى المال والثراء الذي كانت تتنعّم به أسرته، وبذلك فقد اجتمع لابن زيدون أسباب النجاح التي ينشدها أيّ إنسان، فلم يخيّب رجاء أهله فيه ولم تذهب تلك التربية سدًى، بل صار أحد شباب قرطبة المعروفين وشاعرًا دمثًا عذبًا يعرفه القاصي والداني من أهل قرطبة.

اشتراكه في وصول بني جهور للحكم

ونظرًا لصوت ابن زيدون المسموع وشعره العذب وحجّته القويّة التي يؤثّر من خلالها في الناس فإنّه ساهم في سقوط الخلافة الأمويّة ودعَمَ دولة بني جَهْوَر؛ وذلك من خلال صرف نظر الناس إلى أمور بعينها يريدها هو وبنو جهور من خلال شعره المسموع، وبذلك فقد نال ابن زيدون الحظوة عند بني جهور حين قامت دولتهم وبلغ أن صار وزيرًا في تلك الدولة.

ولكنّ ابن زيدون عنده من الغرور ما جعله يتطلّع إلى كرسي الحكم ويرفض أن يكونَ ظلًّا للحاكم، وذلك كان نقطة الضعف التي دخل منها الحاسدون للإيقاع بين ابن زيدون وابن جهور، وكان لهم بالفعل ما أرادوه وعانى ابن زيدون محنةً عظيمة بسبب ذلك حتى مات أبو الحزم واستلم بعده ابنه أبو الوليد وكان صديقًا لابن زيدون فعادت لابن زيدون حظوته السابقة، وقد عاش ابن زيدون قصة حب عنيفة بينه وبين ولادة بنت المستكفي، وفيما يلي وقفة مع حديث حول قصة الحب التي جمعت بين ولادة وابن زيدون.

ولادة بنت المستكفي

هي ولادة بنت الخليفة محمد الملقّب بالمستكفي بالله، يعود نسبها إلى عبد الرحمن الداخل الأمير الأمويّ، فهي بذلك سليلة بني أميّة القُرَشيّين، والدتها جارية إسبانيّة أورثتها البشرة البيضاء والشعر الأصهب والعينان الزرقاوان وغيرها من ملامح الجمال الأخّاذ الذي كانت تتمتّع به ولادة، ذاك الجمال الذي جعل ابن بسّام صاحب “الذخيرة” يصف ولادة من أجله بأنّها: “ذات وجه لم تشرق الشمس على أجمل منه”، أمّا والدها الخليفة المستكفي فهو رجل التفتَ للملذّات والشهوات حتى وصفه كثير من المؤرخين بأنّه ضعيفٌ وجاهلٌ ومتخلّف.

كانت ولّادة امرأة ظريفة ونبيهة وذاتَ ذكاءٍ حادٍّ وأدبٍ بالغ وعفاف، وكانت فصيحةً جزلة المنطق وذات حضور لافت يخلب الألباب، وقد شهد لها أهل عصرها بأنّها واحدة زمانها لا تنازعها في ذلك امرأة، ولكن مع ذلك فقد كان بعض المؤرّخين يأخذون عليها أنّها كانت مستهترة إلى حدّ ما، وكانت كذلك عابثة وقليلة المبالاة، وكذلك ذكر المؤرّخون أنّها كانت تجاهر بلذّاتها.

قصة ولادة وابن زيدون

لقد كان لولادة بنت المستكفي مجلسًا تستقبل فيه الأدباء والشعراء والمبدعين على اختلاف فنونهم، يشبه ذلك المجلس ما يسمّى في الوقت الحالي الصالون الأدبي، وفي هذا المجلس التقت ابن زيدون أوّل مرّة، وقيل إنّ ابن زيدون منذ ذلك الوقت لم يدَع مجلسها، ونشأت بينهما قصّة حبّ عميقة، فكانا يجتمعان إذا جنّ المساء كما يروي ابن زيدون بنفسه فيما ينقله عنه ابن بسّام في كتاب الذخيرة، ولكن هذا الحبّ لم يدُم طويلًا لسوء حظّ ابن زيدون.

بداية القطيعة

فذات مساء في مجلس ولادة كان ابن زيدون والحضور يستمعون لصوت جارية سوداء من جواري ولادة، ويبدو أنّ ابن زيدون لشدة إعجابه بصوتها طلب إليها أن تعيد الغناء، ما أثار حفيظة ولادة التي أبدت غيرتها ونقمت على ابن زيدون منذ ذلك الحين، وقالت معاتبة له:

لو كنتَ تنصِفُ في الهوى ما بيننا

لم تهوَ جاريَتِي ولم تتخيَّرِ

وتركتَ غصنًا مثمِرًا بجمالِهِ

وجَنَحتَ للغصنِ الذي لم يثمِرِ

 

بداية علاقتها بابن عبدوس وهجرها ابن زيدون إلى غير رجعة

ولكي تغيظ ابن زيدون صارت تصرف اهتمامها لابن عبدوس الوزير الذي صار ينافس ابن زيدون على ولادة، وقد ذكر المؤرّخون أنّ ابن عبدوس وولادة قد عُمِّرا طويلًا وبقي ابن عبدوس يواصلها وهي في عمر الثمانين، وهذا الحب الذي كان بين ولادة وابن عبدوس -أو الحب المفترض والمزعوم الذي ادّعته ولادة- قد أثار غيرة ابن زيدون، فما كان منه إلّا أن كتب الرسالة الهزليّة المشهورة وأرسلها لابن عبدوس، بل فوق ذلك فقد وصف ابن عبدوس بالفأر الذي يأكل فضلات ابن زيدون، والفضلات هنا هي ولادة، فقال ابن زيدون:

أكرِم بولادةٍ ذخرًا لمُدَّخِرٍ

لو فرَّقَت بينَ بيطارٍ وعطّارِ

قالوا أبوعامرٍ أضحى يلِمُّ بها

قلتُ الفَراشَةُ قد تدنو من النارِ

عَيَّرتُمونا بأن قد صارَ يَخلُفُنا

فيمن نحِبُّ وما في ذاكَ من عارِ

أكلٌّ شهيٌّ أصبنا من أطايبهِ

بعضًا وبعضًا صَفَحنا عنهُ للفارِ

وهنا هجرته ولادة إلى غير رجعة، ولم يستطع ابن زيدون استمالتها على كثرة ما قال فيها من قصائد واعتذاريّات، حتّى إنّ ابن عبدوس خشي أن يرقّ قلب ولادة له فسعى به عند أبي الحزم بن جهور فسجنه وهرب من سجنه، والأرجح أنّه قد هرب إلى إشبيلية إلى المعتضد من بني عبّاد، وبذلك تنتهي قصة الحب الخالدة التي جمعت ابن زيدون بولادة.

من أشعار ابن زيدون في ولادة

لقد كتب ابن زيدون ذو الوزارتين -وزارة السيف ووزارة القلم- كثيرًا من الأشعار في ولادة بنت المستكفي، منها ما قاله متغزلًا بها، ومنه ما قاله معتذرًا إليها بعدما بدر منه الذي بدر وهو بعيد عنها ويخشى العودة لرؤيتها، ومن تلك القصائد:

قصيدته التي مطلعها ودّع الصبر محبٌّ ودَّعَك، وفيها يقول:

ودَّعَ الصبرَ محِبٌّ ودَّعَك

ذائِعٌ من سرِّهِ ما استودعَك

يقرعُ السنَّ على أن لم يكن

زادَ في تلكَ الخُطا إذ شيَّعك

يا أخا البدرِ سناءً وسَنًا

حَفِظَ اللهُ زمانًا أطلَعَك

إن يَطُل بَعدَكَ ليلي فلَكَم

بِتُّ أشكو قِصَرَ الليلِ مَعَك

قصيدته التي مطلعها يا من غدوت به، وفيها يقول:

يا مَن غَدَوتُ بهِ في الناسِ مُشتَهِرًا

قَلبي عليكَ يقاسي الهَمَّ والفِكَرا

إن غِبتَ لم أَلقَ إنسانًا يؤَنِّسُني

وإن حَضَرتَ فَكُلُّ الناسِ قَد حَضَرا

قصيدته التي مطلعها أضحى التنائي بديلًا من تدانينا، وفيها يقول:

كنّا نَرى اليَأسَ تُسلينا عَوارِضُهُ

وقَد يَئِسنا فَما لليَأسِ يغرينا

بِنتُم وبِنّا فَما ابتَلَّت جَوانِحُنا

شَوقًا إليكُم ولا جَفَّت مَآقينا

نَكادُ حينَ تناجيكُم ضَمائرُنا

يَقضي علَينا الأسى لولا تأسّينا

حالَت لفقدِكُمُ أيّامُنا فَغَدَت

سودًا، وكانَت بكُم بيضًا ليالينا

إذ جانِبُ العَيشِ طَلقٌ مِن تألُّفِنا

ومربَعُ اللهوِ صافٍ من تصافينا

وإذ هصَرنا فُنونَ الوَصلِ دانِيَةً

قطافُها فجنَينا منهُ ما شينا

لِيُسقَ عَهدُكُمُ عَهدُ السُرورِ فَما

كنتُم لأرواحِنا إلّا رياحينا

السابق
شمال سوريا .. حرائق تلتهم محطة وقود وتموت
التالي
ذكرى الثورة السورية الكبرى و عيد المعلم