شخصيّات أدبيّة

قصة قيس وليلى

قصة قيس وليلى

الحب العذري

إنّ قصة قيس وليلى هي من قصص الحب العذري، والحب العذري مصطلحٌ تعود جذوره إلى قبيلة عُذرة من قبائل العرب يعود نسبها إلى قُضاعة، وكانت تنتشر في شمال بلاد الحجاز، وتمتدّ عشائرها من المدينة إلى بلاد الشام، وامتازت حياتهم بالاستقرار وامتازت ديارهم بالخصوبة، وفي تلك الديار نشأ نوعٌ من الحب الذي تغنّى به أهل قبيلة عُذرة وهو الحب الصافي الرقيق الذي لا تشوبه شائبة ولا يُكدّر صفوه شيء، فلم يُذكر عن أهالي تلك القبيلة أنّهم تغنّوا في أشعارهم بغير هذا الحب الذي كان لتعاليم الإسلام أكبر الأثر في ازدهاره؛ إذ إنّ الإسلام قد فَرَضَ غضّ البصر واجتناب الفواحش وعدم انتهاك الحُرُمات وغير ذلك.

فكانوا يُعبّرون عن هذا الحبّ بشعر الغزل العُذري، ويمكن القول إنّ الحبّ العُذري هو الحب البريء العفيف الذي يشوبه الحزن والتغني بخصال المحبوب بشيء من المثاليّة من دون الهبوط إلى التغني بالجسد وغيره، وقد اشتُهر في هذه القبيلة كثيرٌ من العشّاق لعلّ أبرزهم قيس وليلى، وهذا المقال سيقف مع تفصيل القول في قصة قيس وليلى.

 

قصة قيس وليلى

ماذا يمكن أن يعرف المرء عن قصة قيس وليلى؟

 

إنّ قصة قيس وليلى من أشهر قصص الحبّ عند العرب منذ فجر العروبة، فقد صارت قصة قيس وليلى مضرب المثل في الحب العفيف العذري الذي يلتهم أفئدة العاشقين الذين يراعون حرمات الله في عشقهم، وقد دارت هذه القصّة على ألسنة الناس كثيرًا حتى أخذَت طابعًا أقرب للأساطير، ولكن لمعرفة القصّة الحقيقيّة ينبغي الوقوف مع بطَلَي هذه القصّة كلّ منهما على حدة.

إقرأ أيضا:نزار قباني

 

قيس بن الملوح:

من هو العاشق الأسطوريّ قيس بن الملوّح؟

 

هو قيس بن الملوّح العاشق العربيّ والشاعر الأشهر المعروف بمجنون ليلى، جاءه لقب المجنون من ولهه بابنة عمّه ليلى العامريّة، ولد سنة 24هـ في القرن الأوّل الهجري، وعاش في نجد في ديار أهله، ويعود نسبه إلى بني عامر من قبيلة هوازن، عاصر حكم مروان بن الحكم وابنه عبد الملك بن مروان من خلفاء الدولة الأموية، يشتَهَر في الأدب العربي هو وقيس الآخر الذي هو مجنون لبنى واسمه قيس بن ذَرِيح، وقد أحبّ ابنة عمّه ليلى وانتشرت أخبارهما كثيرًا حتى رفض والد ليلى أن يزوّجه إيّاها، فهام قيس على وجهه في البراري حتى وجِدَ ميتًا في وادٍ كثير الحصى نحوًا من سنة 68هـ.

وقد ذكر أبو الفرج الأصفهاني أنّ كثيرًا من المؤرّخين ينفون وجود قيس مجنون ليلى، ويسوق أقوالًا لطائفة من المؤرّخين يطعنون فيها بوجود المجنون من الأساس، بل يرى بعضهم أنّ بني عامر -وهم قوم قيس- من أغلظ الناس أكبادًا فمن غير الممكن أن تظهر منهم هذه الرقّة كلّها، وقال بعضهم الآخر إنّه سأل بني عامر بطنًا بطنًا عن المجنون فلم يعرفوه، وغير ذلك من الحجج الأخرى، ويرى بعضهم أنّ الناس نسَبَت الشعر المجهول لقيس، وكذلك كلّ شعرٍ مجهولٍ صاحبُه قد قيل في ليلى فإنّ النّاي قد نسَبوه إلى مجنون بني عامر.

إقرأ أيضا:السيرة الشخصية للشاعر تميم البرغوثي

ومن هنا كان الشك في قصة قيس وليلى، فهي قد تكون حقيقية ولكن ربّما يكون بعض القصّاصين والسمّار وغيرهم قد أضافوا لهذه القصّة كثيرًا من الأحداث من خيالهم الخصب، ولكن الذي يجمع عليه الناس أنّ مجنون ليلى هو واحد من العشّاق الذين يضرب بهم المثل في التضحية من أجل الحب حتى صار يسمّى شهيد العشق.

 

ليلى العامرية:

ما أبرز ما يمكن معرفته عن ليلى العامريّة؟

 

يقول الزركليّ في كتاب الأعلام إنّ ليلى العامريّة هي ليلى ابنة مهدي بن سعد، كنيتها أمّ مالك، ويرجع نسبها إلى بني كعب بن ربيعة، وقد اشتُهِرَت بأنّها صاحبة مجنون بني عامر قيس بن الملوّح الشاعر الأمويّ المعروف، والمعروف عن ليلى هذه أنّها ولدت بعد ولادة ابن عمّها قيس بأربعة أعوام في منطقة في نجد اسمها النجوع، وما تزال تحمل اسمها نفسه إلى يوم الناس هذا وتتبع اليوم محافظة الرياض في المملكة العربية السعودية.

والمعروف عنها كذلك أنّها شبّت بصحبة ابن عمّها قيس في رعاية مواشي أهلهما، حتى إذا شبّت وحجِبَت عنه تغزّل بها وشبّبَ بها وذاع صيتهما واشتُهِرَ حبّهما وأخبارهما بين العرب فلذلك منَعَهَا أهلُها عنه، ورفضوا أن يزوّجوه بها، فهام على وجهه في البراري يأنس بالوحوش، ولها أشعار مبثوثة في كتب الأدب القديم والحديث، وقد أكرهها أهلها على الزواج برجل لتنسى قيسًا، ولكن حين بلغها موت قيس لم تلبث أن ماتت في أثَرِه نحو سنة 68هـ.

إقرأ أيضا:نزار قباني

 

قصة قيس وليلى:

ما هي القصة الحقيقيّة لقيس وليلى؟

 

إنّ أكبر مصدر قد تحدّث على قصة قيس وليلى باستفاضة كان كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، فذكره في صدر الجزء الثاني من النسخة التي حقّقها الدكتور الكبير إحسان عبّاس، وقد تحدّث عنه باستفاضة في نحو خمسين صفحة، وذكر الأصفهانيّ عدّة روايات حول لقاء قيس وليلى، ومعظمها يقول إنّهما قد التقيا حين كانا كبيرَين، فتقول الروايات إنّ قيسًا قد مرّ بنسوة وعقر لهنّ ناقته، فجلسنَ معه حتى إذا مرّ بهنّ شابٌّ آخر انصرفنَ إليه، إلّا ليلى فقد أحبّته وتعلّقت به وتعلّق بها.

بدايات الحب

ومنذ ذلك اليوم صار قيس يكثر من التردّد على ليلى، فكان ينشدها أشعار العرب وأيّامهم وقصصهم وغير ذلك ممّا برع به وأجاد، وقال بها شعرًا كثيرًا وصار يجالسها أوقاتًا طويلة، حتى إذا ذاع صيتهما وبَلَغَ أهلها ما قاله قيس في حبّها منعوها عنه ومنعوه عنها، وعزم والدها على تزويجها بأوّل من يتقدّم لها، فتقدّم لها شابٌّ يدعى وردًا، وبذل لها عشر نوق، وتقدّم لها قيس وبذل لها خمسين ناقة، فزعموا أنّهم سيجعلون ليلى تختار، ولكنّهم هدّدوا ليلى بأنّهم سيقتلونها إن هي اختارت قيسًا، فاختارت وردًا ورفضت قيسًا فهام على وجهه بعد ذلك في البراري يانس بالوحوش ويفرُقُ من البشر.

رواية أخرى

وثمّة رواية تقول إنّ قيسًا وليلى كانا صغيرَين يرعَيان بهم والدَيهما وهما صغيران عند جبل التوباد، فعندما كبرا حجبها أهلها عنه، ولكنّه كان قد تعلّق بها فقال فيها شِعرًا جعل أهلها يمنعونها عنه، ولكن نار الحبّ قد تمكّنت منه ومنها، فانتشرت أشعاره على ألسنة الناس فقرر أهلها أن يزوّجوها بأوّل من يتقدّم لها، فأجبروها أن ترضى بمن تقدّم لها وأن ترفض قيسًا، فكان هذا سبب هروبه إلى البراري.

وقال الأصمعيّ إنّه لم يكن مجنونًا كما يفهم الناس، ولكن قد كانت به لوثةٌ من جنون كما كان أبا حيّة النميري، وقال بعضهم إنّه كان مجنونًا وسبب جنونه بيت شعرٍ قاله فسُلِبَ عقلُهُ على أثَرِه، وهذا البيت يقول فيه:

قضاها لغيري وابتلاني بحبّها          فهلّا بشيءٍ غير ليلى ابتلانيا

وبعد أن منع أهل ليلى قيسًا من ابنتهم فإنّه أرسل لهم وساطات ليخطبوها له كعامل الصدقات عمر بن عبد الرحمن بن عوف، وكذلك توسّط له رجلٌ يقال له نوفل بن مُساحق ولكنّهم رفضوا وساطته وخرجوا لملاقاته بأسلحتهم لأنّه قد جاء إليهم برفقة المجنون، فانصرف قيس ثمّ انصرف نوفل بن مساحق وهو خائب، وقد أهدر دم قيس من أهل ليلى ومن الحاكم في ذلك الوقت، وتزوّجت ليلى بورد، وهاجر أهلها وهاجرت هي وزوجها وهام قيس على وجهه يبحث عنها، ومرة رآها من بعيد فأغمي عليه من الفرح، وظلّ قيس على هذه الحال حتى عثِرَ عليه ميتًا في وادٍ كثير الحصى.

 

من أشعار قيس وليلى

ما أبرز الأشعار التي خلّدتها كتب الأدب من حياة هذين العاشقين؟

 

بعد الوقوف على نبَذٍ متفرّقة من قصة قيس وليلى وحياتهما فإنّ هذه الفقرة تقف ختامًا مع بعض الأشعار التي قالها قيس في ليلى والتي قالتها كذلك ليلى العامريّة في حبيبها قيس بن الملوّح؛ فقد قال كلّ منهما شعرًا في صاحبه في حالاتٍ شتّى، ومن تلك الأشعار:

قول ليلى في حبّها لقيس:

لم يكن المجنون في حالةٍ          إلّا وكنتُ كما كانا

 

لكنّه باح بسر الهوى          وإنّني قد ذبت كتمانا

وقولها في قيس أيضًا:

نفسي فداؤك لو نفسي ملكت إذن          ما كان غيرك يجزيها ويرضيها

 

صبرًا على ما قضاه الله فيك على          مرارةٍ في اصطباري عنكَ أخفِيها

 

وقولها تبدي قلقها على قيس:

ألا ليت شعري والخطوب كثيرة          متى رحلُ قيسٍ مستقلٌّ فراجعُ؟

 

بنفسي من لا يستقلُّ برحلِهِ          ومن هو -إن لم يحفظ الله- ضائعُ

وقولها مخاطبةً قيسًا:

أخبِرتُ أنّكَ من أجلي جننتَ وقد          فارقتَ أهلَكَ لم تعقِل ولم تفِقِ

 

وقولها تخبِرُ قيسًا سبب إظهارها خلاف ما تشعر به أمام الناس:

كلانا مُظهِرٌ للنّاس بُغضًا          وكلٌّ عندَ صاحِبِه مكينُ

 

تُبلّغُنا العُيونُ بما أرَدْنَا          وفي القلبَينِ ثَمَّ هوًى دفينُ

 

وأسرارُ اللواحظِ ليسَ تَخفى          وقد تُغري بذِي الخطأِ الظُّنونُ

 

وكيف يفوتُ هذا الناس شيئًا          وما في النفسُ تظهرُهُ العيون؟

ومن ذلك أيضًا قول قيس في الردّ على الذين يقولون له تسلَّ عن ليلى وانسَهَا:

وَقالوا لَو تَشاءُ سَلَوتَ عَنها          فَقُلتُ لَهُم فَإِنّي لا أَشاءُ

 

وَكَيفَ وَحُبُّها عَلِقٌ بِقَلبي          كَما عَلِقَت بِأَرشِيَةٍ دِلاءُ

 

لَها حبٌّ تَنَشَّأَ في فؤادي          فَلَيسَ لَهُ وَإِن زجِرَ اِنتِهاءُ

 

وَعاذِلَةٍ تقَطِّعُني مَلامًا          وَفي زَجرِ العَواذِلِ لي بَلاءُ

 

وقوله مخاطبًا ليلى شارحًا ما يمرّ به بسبب الحب:

مَتى يَشتَفي مِنكَ الفُؤادُ المُعَذَّبُ          وَسَهمُ المَنايا مِن وِصالِكِ أَقرَبُ

 

فَبُعدٌ وَوَجدٌ وَاِشتِياقٌ وَرَجفَةٌ          فَلا أَنتِ تدنيني وَلا أَنا أَقرَبُ

 

كَعُصفورَةٍ في كَفِّ طِفلٍ يَزُمُّها          تَذوقُ حِياضَ المَوتِ وَالطِفلُ يَلعَبُ

 

فَلا الطِفلُ ذو عَقلٍ يَرِقُّ لِما بِها          وَلا الطَيرُ ذو ريشٍ يَطيرُ فَيَذهَبُ

 

وَلي أَلفُ وَجهٍ قَد عَرَفتُ طَريقَهُ          وَلَكِن بِلا قَلبٍ إِلى أَينَ أَذهَبُ

 

قوله يخاطب الناس الذين يقولون له اسلُ عنها:

وَكَم قائِلٍ لي اِسلُ عَنها بِغَيرِها          وَذَلِكَ مِن قَولِ الوُشاةِ عَجيبُ

 

فَقُلتُ وَعَيني تَستَهِلُّ دموعَها          وَقَلبي بِأَكنافِ الحَبيبِ يَذوبُ

 

لَئِن كانَ لي قَلبٌ يَذوبُ بِذِكرِها          وَقَلبٌ بِأُخرى إِنَّها لَقُلوبُ

 

فَيا لَيلَ جودي بِالوِصالِ فَإِنَّني          بِحُبِّكِ رَهنٌ وَالفُؤادُ كَئيبُ

 

لَعَلِّكِ أَن تروى بِشُربٍ عَلى القَذى          وَتَرضى بِأَخلاقٍ لَهُنَّ خطوبُ

[1]

 

معلومات عن قيس بن ذريح

قصة ولادة وابن زيدون

المراجع

  1. — تاريخ الاطلاع: 11 نوفمبر 2015  — الرخصة: رخصة حرة.https://ar.wikipedia.org/wiki/قيس_بن_الملوح
التالي
ذكرى الثورة السورية الكبرى و عيد المعلم